الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

273

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ب ( إنّ ) المفيدة التعليل . وقد جمع فيه أربع مؤكّدات وطريقة حصر ، فضمير الفصل أفاد الحصر ، وإنّ وصيغة الحصر ، وجمع الغيوب ، وأداة الاستغراب . وبعد أن تبرّأ من أن يكون أمر أمّته بما اختلقوه انتقل فبيّن أنّه أمرهم بعكس ذلك حسبما أمره اللّه تعالى فقال ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ ، فقوله : ما قُلْتُ لَهُمْ ارتقاء في الجواب ، فهو استئناف بمنزلة الجواب الأول وهو ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ إلخ . . . صرّح هنا بما قاله لأنّ الاستفهام عن مقاله . والمعنى : ما تجاوزت فيما قلت حدّ التبليغ لما أمرتني به ، فالموصول وصلته هو مقول ما قُلْتُ لَهُمْ وهو مفرد دالّ على جمل ، فلذلك صحّ وقوعه منصوبا بفعل القول . و أَنِ مفسّرة أَمَرْتَنِي لأنّ الأمر فيه معنى القول دون حروفه وجملة اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ تفسيرية ل أَمَرْتَنِي . واختير أَمَرْتَنِي على ( قلت لي ) مبالغة في الأدب . ولمّا كان أَمَرْتَنِي متضمّنا معنى القول كانت جملة اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ هي المأمور بأن يبلّغه لهم فاللّه قال له : قل لهم اعبدوا اللّه ربّي وربّكم . فعلى هذا يكون رَبِّي وَرَبَّكُمْ من مقول اللّه تعالى لأنّه أمره بأن يقول هذه العبارة ولكن لما عبّر عن ذلك بفعل أَمَرْتَنِي بِهِ صح تفسيره بحرف أَنِ التفسيرية فالذي قاله عيسى هو عين اللفظ الذي أمره اللّه بأن يقوله . فلا حاجة إلى ما تكلّف به في « الكشاف » على أنّ صاحب « الانتصاف » جوّز وجها آخر وهو أن يكون التفسير جرى على حكاية القول المأمور به بالمعنى ، فيكون اللّه تعالى قال له : قل لهم أن يعبدوا ربّك وربّهم . فلمّا حكاه عيسى قال : اعبدوا اللّه ربّي وربّكم اه . وهذا التوجيه هو الشائع بين أهل العلم حتى جعلوا الآية مثالا لحكاية القول بالمعنى . وأقول : هو استعمال فصيح قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى : مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ في سورة الأنعام [ 6 ] إذا أخبرت أنّك قلت لغائب أو قيل له أو أمرت أن يقال له : فلك في فصيح كلام العرب أن تحكي الألفاظ المقولة بعينها ، فتجيء بلفظ المخاطبة ، ولك أن تأتي بالمعنى في الألفاظ بذكر غائب دون مخاطبة اه . وعندي أنّه ضعيف في هذه الآية . ثمّ تبرّأ من تبعتهم فقال وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ أي كنت مشاهدا لهم ورقيبا يمنعهم من أن يقولوا مثل هذه المقالة الشنعاء . و ما دُمْتُ ( ما ) فيه ظرفية مصدرية ، و ( دام ) تامّة لا تطلب منصوبا ، و فِيهِمْ